علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير )
34
تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء
وأراذل اليهود والنّصارى ، ومقلّدة المؤرّخين والقصّاص المجازفين الجاهلين بحقيقة النّبوة ، وما يجوز على أنبياء اللّه تعالى ، وما يستحيل ، وما يجب على الكافة من تعزيرهم وتوقيرهم ، وتدقيق النّظر في استخراج مناقبهم على أتمّ الكمال وأعمّه ؛ فتراهم يتركون ما أوجب اللّه عليهم من التفقّه في آي القرآن ، من توحيد بارئهم وتنزيهه عن النّقائص ، ووصفه تعالى بما يجب له « 1 » من صفات الكمال والجلال ، ووصف أنبيائه بالصّدق والعصمة والتنزيه من الخطأ والخطل « 2 » ، وكذلك ما جاءوا به من وظائف العبادات ، وما أخبروا به من المغيّبات ، والمواعظ بالوعد والوعيد ، والنّظر في الفرق بين الحلال والحرام والمشتبهات ، إلى غير ذلك ممّا لا تحويه الرّقوم ، ولا تحيط به ثاقبات الفهوم ، وما عسى أن أقول فيما قال اللّه تعالى فيه : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 31 / 27 ] ، وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [ الرعد : 13 / 31 ] ، وقوله تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً [ الحشر : 59 / 21 ] ، إلى غير ذلك ، فترى بهائم « 3 » قد صرف اللّه قلوبهم ، وطبع عليها بطابع النّفاق ينكّبون « 4 » عن هذه الواضحات من الحكم البالغة والبراهين الصّادعة ، ويقصدون إلى أقوال وأفعال لهم يتخيّلونها مثالب في حقّهم ، فيهلكون ويهلكون من حيث لا يشعرون . فلنذكر الآن ما نذكر منها لكونهم يستعملون ذكرها لتحصيل أغراض لهم فاسدة ، ثم نعطف على ما بقي منها فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) في الأصل : مما يجب . . . ودقيق النظر . ( 2 ) الخطل : الكلام الفاسد الكثير . ( 3 ) شبّه هؤلاء الذين سمّاهم قبل قليل من ضعاف المؤرخين والقصاصين ومن ماثلهم بالبهائم ، وعلل هذا التشبيه في درج الكلام . ( 4 ) نكّب عن الطريق : عدل عنه ، والواضحات ، هي الطّرق الجادّة الواضحة المسالك ، ويقال في عكسها : بنيّات الطريق .